السيد محمد حسين فضل الله

22

من وحي القرآن

الخلق ؟ وكيف تنتهي بكم الحياة ؟ ليس هناك غير اللَّه ، حاولوا أن تلتفتوا يمينا وشمالا ، ومن بين أيديكم ومن خلفكم ، فلا ترون إلا مخلوقات مثلكم ، لم تكن ثم كانت كما لم تكونوا ، ثم صرتم بشرا سويّا . ثم استنزفوا كل طاقتكم في التفكير ، فهل ترون غير اللَّه ؟ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ . وهذه قدرة الخالق الذي خلق البشر على أحسن صورة ، ونفخ فيه من روحه كما قال تعالى : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ الحجر : 28 - 29 ] وتلك هي قصة الإنسان في إبداع الخلق ، فهو قطعة من التراب ونفخة من روح اللَّه وقدرته ، وتلك هي قصة آدم وحوّاء . . أما أولادهما فقد خلقهم اللَّه من نطفة من ماء مهين . . ولكنه الماء الذي تأتّى من الغذاء . ويحثّ القرآن الإنسان على التفكير في ذلك كله . . كيف تدبّ الروح في التراب ؟ وكيف تتحرك الحياة في الجماد الميّت ؟ وكيف تحمل النطفة سرّ الحياة بكل تفاصيلها وألوانها ومشاعرها وطاقاتها ؟ ! ويتعمق الفكر في كل اتجاه من حركة المادّة ، فلا يجد إلا الجدران الباردة تضرب رأسه بالحيرة ، ولكنه يستفيق على الحقيقة التي تشير إليه نحو الأفق البعيد عن المادّة والحدود والسدود ، ليجد اللَّه في قدرته ، يبعث الروح في الجماد ، وسرّ الحياة في النطفة . الأجل المحتوم والأجل المخروم ثُمَّ قَضى أَجَلًا لهذا الإنسان ، فليس هناك خلود في الدنيا ، لأن طبيعة المادة لا تحمل سرّ الخلود ، فلكل نفس أجل لا بد من أن تنتهي إليه ولا يمكن أن تتعداه في النظام الكوني الذي أودع اللَّه في حناياه عمر كل شيء من